بحث

        
 
      javascript:void(0)   
 

صفحتنا على الفايسبوك

<div class="fb-facepile" data-href="http://facebook.com/jbeileparchy" data-max-rows="3" data-width="120"></div>
السياحة الدينية والبيئية
السياحة الدينية والبيئية في جبيل
إذا ولجنا الى مفهوم السياحة نجد له الكثير من المعاني ، فالمقصود هنا هي السياحة التراثيَّة ومعانيها وأهميَّتها في حياتنا الإيمانيَّة، هذا ما يوضحه المجمع البطريركي الماروني: " التراث هو ما ينتجه شعبٌ ما عبر الزمن في إطاره الجغرافي. انه نتاج مادّي وفكري وروحيّ يحمل في جوهره كلّ ما تميّز به هذا الشعب عن سائر الشعوب والجماعات المعاصرة له.

إن إنثقاف الكنيسة المارونيَّة في محيطاتها الثقافيَّة المتنوعة عبر التاريخ أدّى الى تكوين تراث خاص بها من الضرورة اكتشافه والمحافظة عليه . ويجدر التنويه بأن هذا التراث الماروني هو متأصّل في التراث الدينيّ والمسيحيّ الذي طبع به لبنان وجعل منه "أرضاً مقدّسة وأرض قداسة". فلبنان هو أحد بلدان الكتاب المقدّس: في نصوصه ذكر متكرّر لأرزه الذي استُخدم لبناء هياكل العبادة، ولرجاله الذي بذلوا فيها جهدهم وفنّهم (1مل 5/15- 32).
ويضيف المجمع قائلاً: وتؤلّف المراكز البطريركيَّة العديدة أيضاً معالم أساسيَّة من التراث الماروني يجب الإهتمام بها. ونذكر مراكز الحجّ للقدّيسين شربل ورفقا ونعمة الله، في أَديارهم وضياعهم. ويُضَمّ الى هذه اللائحة العديد من الكنائس القديمة التي بُني معظمها على أنقاض معابد وثنيَّة.
ويمكن عندها أن يُستفاد من زيارات الحجّ هذه وجَعْلها تتخطّى البعد السياحي أو التُقَوي المنفرد، ويتمّ تفعيل عمليَّة اختلاط الموارنة في مثل هذه المناسبات وتبادُل الزيارات في مابينهم، ممّا يعزّز روح الأخوَّة بين أبناء الكنيسة الواحدة".

السياحة الدينيَّة هي رحلة الى قلب الله، يحقّقها المؤمن بمعيَّة القدّيسين هي رحلة حجّ إلى الأماكن المقدسة. الحجّ شكل آخر من أشكال العبادة والتقوى الشعبيَّة تطورت ونمت في القرن الرابع.
فالغاية من إنشاء هذه الصفحة هي إعادة اكتشاف أهميَّة التراث وعلاقته بالبيئة وما لهما من تأثيرات تاريخيَّة وروحيَّة على حياة الإنسان ونضوجه وإستمراريّته. لذلك نهدف الى الكشف عن الممتلكات الثقافيَّة التراثيَّة الكنسيَّة في أبرشيَّة جبيل المارونيَّة وما لها من قيمة حضاريَّة، ممَّا يدفعنا الى تَبيان حقيقة معالمها والإعتناء بها وتقييمها كمن يحافظ على تراث الأجداد ليكسب ايمان الأحفاد.
يحتوي هذا التراث على الكنائس القديمة العهد وعلى أماكن العبادة المندثرة التي صلَّى فيها أجدادنا وآبائنا في الإيمان، التي فيها مارس بطاركتنا المغبوطين سلطتهم الروحيَّة، "بقلوب من ذهب وعصّي من خشب" بجهد النسَّاك ونقاوة القديسين.

في قلب الإنسان رغبة شديدة ليحقّق ذاته على كل الأصعدة وأهمّها إنتمائه الديني وبخاصة عندنا نحن المسيحيين. نُخلق وقلبنا منجذب نحو الله ومعرفته والتبحّر في صفاته، لأن الله خلقنا وتبنّانا بابنه الوحيد مخلّصنا يسوع المسيح الفادي، أراد الله أن تكون معرفتنا له جليَّة فكشف لنا عن ذاته بالرب يسوع، بتبشيره، بتعاليمه ومعجزاته، بمحبته لنا. أيضا بالروح القدس والأناجيل، بالتقليد المقدَّس.
في حياة القديسين وخاصةً في بلدنا الحبيب لبنان، بخلود أرزه وجمال الطبيعة، بالإرث الروحي المقدّس، بنقاوة البطاركة المغبوطين.
كل هذا الوحي يجب أن يتجلَّى في حياتنا إلتزامًا إيمانيَّا إنطلاقًا من الأسرار وبنوع خاص سرَّي "التوبة والإفخارستيَّا".
 
إعداد الخوري أنطوان ضاهر
منسق لجنة التراث والممتلكات الثقافية في أبرشية جبيل المارونية
 
جبيل وأصالتها التاريخية
جبيل مدينة مفضلة على التاريخ ومجرياته دخلت تاريخنا من الباب العريض، فأعطَته روّاد علم ومعرفة، علاّمة فكر وثقافة وروحانيَّة، امتازوا بتفوقهم وحكمتهم، عمالقة دين ودنيا أسياد علم وثقافة وتجارة وسياسة، أصحاب سيادة وغبطة. نِتاجهم قدّيسون وقدّيسات عطروا ترابنا بأريج السماء ومازال يعبق حتى يومنا هذا. فخلفيَّة حاضرنا تُغنينا بأَمد تراث وثقافة يمتدُّ من جبيل حتَّى أرجاء المسكونة.

جبيل دعاها المصريون "ناكو" واليونان "بيبلوس" اسمها "جبيل" (معناه جبّ - إيل أي مدينة الله) هي مدينة الفينيقيين المقدَّسة يحجّون اليها من كلّ الأنحاء، وقد ورد ذكر جبيل منذ القرن السادس عشر قبل المسيح، فالأمبراطور الروماني أدريان سكن مدَّة في جبيل وكان هذا القيصر من عَبَدة هيكل الزهرة، ولا نشكّ انه حجَّ الى معابد الزهرة وأدونيس خصوصاً في أفقا ودير القلعة كما أنه شيَّد بعض الهياكل ورمَّم غيرها لاسيَّما في جبيل وكانت تُعدّ في أيَّامه كإحدى حواضر المدن وأُمهاتها وجرى خلفاء أدريان على سننه فعزّزوا في لبنان الشرك والتوثُّن. ولكن هذه الحالة لن تدوم، بعدما تصدّرت جبيل المدن المسيحيَّة عندما استضافت القدّيس بطرس وأقام فيها القدّيس يوحنَّا مرقس اسقفًا يُعنى بشؤون المسيحيين ويرعى حياتهم الإيمانيَّة. وعلى اثر مرسوم ميلانو الشهير، الذي أطلقه الأمبراطور قسطنطين ابن القدّيسة هيلانة سنة 313 وفيه أَعطى الحريَّة لليهود والمسيحيّين في ممارسة شعائرهم الدينيَّة، ومن أَهمّ بنوده "هدم جميع المعابد الوثنيَّة وإشادة الكنائس مكانها" هذا ما نراه في أغلبيَّة كنائس أبرشيَّة جبيل المارونيَّة، نرى الكثير من الآثار حول هذه الكنائس وهذا ما سوف نأتي على ذكره بالتفصيل. وبالتحديد أمَرَ الأمبراطور قسطنطين شخصيَّاً بهدم معبد الزهرة بأفقا. ولكن أعاد بنائه يوليانس الجاحد واستمرَّ حتى هدمه من جديد الأمبراطور أركاديوس الذي ملك من سنة 395 حتّى 408.

وكان هذا المعبد مشهوراً في كل العالم آنذاك بعبادة الزهرة وما يرافقها من أعمال الفجور والرذيلة، فليس من المستبعد أن يكون هو المعبد الذي سمع القديّس ابراهيم الناسك وهو في بلاد القورشيَّة النائية ببقائه مع مجاوريه على الوثنيَّة فدفعت به الغيرة الرسوليَّة الى أن يسعى لهداية تلك البقعة وتطهيرها من أرجاس الوثنيَّة معرّضاً حياته للخطر بسبب تعصُّب وثنيّي تلك الجبال وبطشهم.
وتؤيّد ذلك الوقائع التاليَّة :

منطقة أفقا والعاقورة أوَّل بقعة من لبنان بشَّرها الموارنة بالإنجيل وحوَّلوها الى معقل لهم لأن أوَّل مقرّ اتخذه بطاركة الموارنة كرسيَّاً لهم عندما استقرّوا في لبنان كان دير يانوح بالقرب من العاقورة وأَفقا.
ونهر أدونيس أطلق عليه اسم نهر ابراهيم على اثر انتقال سكان واديه من الوثنيَّة الى المسيحيَّة. فقد أبدلوا اسم أدونيس الههم القديم باسم القدّيس الذي هداهم الى نور الإنجيل وهو ابراهيم الناسك.
واستبدال الأسماء الوثنيَّة بأسماء مسيحيَّة كان شائعاً إذ ذاك في الكنيسة كما يقول القدّيس أغوسطينوس: " اننا نعمِّد لا الأشخاص فحسب ولكن الأماكن أيضاً ".

ساهمت جبيل في بناء هيكل الرب. فالملك سليمان استورد خشب الأرز من جبيل بالتحديد. هذا ما أوضحه المطران الدبس:

"لم يُعنَ سليمان بنظام مملكته في الداخل فقط بل حرص على حفظ علائق الوداد مع أصدقاء أبيه وحلفائه في خارج المملكة فجدّد مع حيرام الثاني ملك صور ما كان بينه وبين داود من التحالف والتحاب وقد مرَّ في مقالة الفونيقيين عدد 117 ما كان بين سليمان وحيرام من المراسلات. وكان حيرام أرسل الى داود أخشاباً من الأرز لم يراها سليمان كافية لبناء بيت الرب فأرسل يقول لحيرام قد علمت أن داود أبي لم يقدر أن يبني بيتاً للرب الهه بسبب الحروب التي أحاطت به وقد أراحني الرب من كل الجهات فنويت أن أبني هذا البيت فمُر بأن يُقطع لي أرزٌ من لبنان وعبيدي يكونون مع عبيدك وأجرة عبيدك أُؤديها كما تحب ففرح حيرام بكلام سليمان وأجابه أنه سيتم كل مرضاته في خشب الأرز وخشب السرو وأن عبيده ينزلون ذلك من لبنان الى البحر فيجعله أطوافاً في البحر الى الموضع الذي يسمّيه سلبمان له وأن ما يرضيه انما هو أن يرسل سليمان اليه بعض المؤن فكان حيرام يُنزل الأخشاب من الجبل الى جبيل ويرسلها أطوافاً الى يافا فينقلها رجال سليمان الى أورشليم وهذا مؤذن بأن أشجار الأرز كانت في جبال بلاد جبيل أيضاً لا في جبَّة بشرّي وحدها كما هي الأن وإلا لَلَزُمَ شحنها من طرابلس أو البترون لا من جبيل.

إن بطاركة المملكة النباتيَّة أي "شجر الأرز" زينت جبال جبيل وعطَّرت سهوله ووديانه. بخلودها خلَّدت ايمان بطاركتها. إنطلاقاً من المؤسّس غبطة ألبطريرك القدّيس مار يوحنَّا مارون سنة 685:
إنّ يوستينيانوس الأخرم أنشأ الاضطهاد على البابا سرجيوس الأوّل (687-701) لأنّ البابا لم يرضَ بإثبات أعمال المجمع المعروف بـ "كونيسكسْت" (ويُعرف في الكتب العربيّة بمجمع قبّة البلاط)، الّذي بُخِسَت فيه حقوق الكرسيّ الرسوليّ. لأجل ذلك اضطرّ البطريرك يوحنّا مارون أن ينتقل من أنطاكية إلى دير مار مارون الّذي في سورية، على النهر العاصي؛ ومن هناك إلى سمار جبيل الّتي في عمل البترون، (الدويهيّ، سلسلة بطاركة الطائفة المارونيّة، طبعة الشرتونيّ، ص 6-7). سمر جبيل هي من أقدم قرى لبنان وأعظمها شأنًا من حيث آثارها (لامنس، تسريح الأبصار، م1، ص 123؛ الدويهيّ، تاريخ الموارنة، ص 202).

عاد يوحنّا مارون (من روما) إلى أنطاكيا، "فأرغمه أصحاب البدع أن يفرّ أوّلاً إلى دير القدّيس مارون، (على نهر العاصي)، منه أنفذ إلى "سكّان لبنان المقدّس" كتابه الموسوم بإيضاح الإيمان. ثمّ لم ينجُ هناك أيضًا من اضطهاد الملك يوستنيانوس الثاني الأخرم (685-695)، وأُولي البدع، ففرّ إلى لبنان، وأقام أوّلاً في سمر جبيل" (الدبس، ص 69).

في معرض كلامنا عن أهميَّة السياحة التراثيَّة نلاحظ الإرتباط وثيق بين السياحة والبيئة؛ وهي التي تجرّ الينا ماجريات التاريخ وما تحفظه لنا من كنوز ايمانية ،بيئيَّة وتراثيَّة وبنوع خاص في جبيل ممّا يدفعنا الى المحافظة على هذه الكنوز واستثمارها روحيَّا، وثقافياً والإعتزاز بها. وهذا ما نحن بصدَد عرضه لاحقاً.

إعداد الخوري أنطوان ضاهر
منسق لجنة التراث والممتلكات الثقافية في أبرشية جبيل المارونية