زمن العنصرة هو زمن الروح الذي يقود المؤمنين والكنيسة في مواصلة رسالة المسيح الخلاصية. تقرأ الكنيسة في هذا الاحد نبوءة اشعيا التي تمت في المسيح التاريخي وفي المسيح السرّي، الذي هو الكنيسة: " روح الرب عليّ، مسحني وارسلني". اما رسالة بولس الرسول فتتحدث عن ثمار حلول الروح القدس، وفي مقدمتها اننا اصبحنا سفراء المسيح للمصالحة. نتصالح بالروح القدس مع الله، ونصالح بعضنا بعضاَ. المصالحة هي بداية الرسالة وغايتها، نقطة انطلاقها ونقطة وصولها.
مسح الروح القدس يسوع ابن الله المتجسّد وجعله مسيحاً اي نبياً وكاهناً وملكاً: كنبي يعلن كلام الله وينير العقول: " يبشر المساكين ويعطي البصر للعميان"؛ وككاهن يحرّر بنعمة الفداء المأسورين في عبودية الخطيئة والشر: " انادي باطلاق الاسرى، واطلق المقهورين احراراً"؛ وكملك يدشّن زمناً جديداً مقبولاً لدى الرب. انه يمارس هذه المهام الخلاصية الثلاث بارسال من الله وبسلطان الهي.
هذا الروح اياه يحلّ على الكنيسة، شعب الله ويجعله شعباً كهنوتياً يشارك في مهام المسيح الثلاث بحكم المعمودية والميرون. ويُمنح لكهنة العهد الجديد، بالرسامة المقدسة، لكي يمارسوا بسلطان الهي وارسال من الله رسالة المسيح الخلاصية. ان كهنة العهد الجديد مقامون في ثلاث رتب مقدسة: الاسقفية والكهنوت والشماسية.
الروح المقدس المعطى لكهنة العهد الجديد هو روح رئاسي، تراتبي او " يراركي". شرح قداسة البابا بندكتوس السادس عشر مفهوم السلطة في الاسقفية والكهنوت، من حيث هي تراتبية. لفظة " يراركية" تعني " الاصل المقدس"، اي السلطة التي تأتي لا من الانسان، بل من اصل مقدس من السّر. وبهذه الصفة تجعل صاحب السلطة خاضعاً للدعوة، لسرّ المسيح، وبالتالي خادماً للمسيح. فقط بهذه الصفة، يستطيع ان يمارس سلطة القيادة باسم المسيح ومع المسيح. ولذا، من يدخل في درجة سرّ الكهنوت المقدسة اي في " اليراركية"، انما يدخل في رباط جديد من الطاعة للمسيح، ويكون مرتبطاً به في شركة مع الاعضاء الآخرين في الدرجة المقدسة، في الكهنوت[1].
الاسقف حامل السلطة التراتبية، وكذلك الكاهن، هو حارس الطاعة للمسيح ولكلامه المختصر في " قاعدة الايمان"، المعروف بقانون الايمان". وعليه بالتالي ان يسبق في الطاعة للمسيح ولكنيسته.
"التراتبية" تضعه في رباط مثلث: الرباط بالمسيح وبالامر المعطى للكنيسة، والرباط بالرعاة الآخرين في الشركة الكنسية الواحدة، والرباط بالمؤمنين الموكولين اليه وفقاً للنظام الكنسي. " التراتبية" بهذا المفهوم تشمل " الشركة" و " الراعوية". وبالتالي لا يوجد تناقض بين هذه الثلاث، او نفي بين الواحدة والاخرى. ولكن لا يمكن ممارسة هذه الثلاث الا بمحبة المسيح المسكوبة في قلب الكاهن بالروح القدس.
فالمسيح بواسطة الاسقف والكاهن والشماس يحب الناس؛ وبواسطة خدمتهم، وخدمة كل واحد منهم يصل الى النفوس، ويعلّمها، ويحميها، ويقودها. ان رعاية قطيع الرب، يقول القديس اغسطينوس، هي التزام بالمحبة غير المشروطة: مثل محبة الراعي الصالح، الممتلئة فرحاً، والمنفتحة على الجميع، والمنتبهة الى القريبين، والمعتنية بالبعيدين، والشفافة تجاه الضعفاء والبسطاء والخطأة، لتظهر لهم رحمة الله اللامتناهية بالكلمات التي تطمئن وتولّد الرجاء[2]
***
ثانياً، الرسالة العامة للبابا بندكتوس السادس عشر: المحبة في الحقيقة، حول الانماء البشري الشامل[3]
تتناول هذه الرسالة العامة " الانماء البشري الشامل بالمحبة في الحقيقة".
" المحبة في الحقيقة" شهد لها يسوع في حياته الارضية، وبخاصة بموته وقيامته حتى اصبحت وجهه الشخصي: انها القوة الدينامية الجوهرية للانماء الحقيقي الذي يمكن توفيره لكل شخص، وللبشرية جمعاء. ففي الواقع، المحبة هي القوة الخارقة التي تدفع بالناس الى الالتزام بشجاعة وسخاء في حقل العدالة والسلام. هذه القوة تنبع من الله الذي هو الحب الازلي والحقيقة المطلقة.
علاقة المحبة بالحقيقة هي ان المحبة تقتضي الدفاع عن الحقيقة، واعلانها بتواضع واقتناع، واداء الشهادة لها في الحياة. والاثنتان مزروعتان من الله في قلب كل انسان وفي روحه (الفقرة1).
المحبة هي الطريق الرئيسي الذي يسلكه تعليم الكنيسة الاجتماعي. فالمحبة هي مختصر كل شريعة؛ وتعطي جوهراً اصيلاً لكل علاقة شخصية مع الله والقريب؛ وهي المبدأ في آن للعلاقات الصغيرة مثل علاقات الصداقة والعلاقات العائلية، وللعلاقات الكبيرة مثل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ والمحبة هي العطية الكبرى التي منّ بها الله على البشر، فانها وعده ورجاؤنا (الفقرة2).
لكن المحبة تحتاج الى الحقيقة لكي تسطع وتعاش باصالة. فالحقيقة نور يعطي معنى وقيمة للمحبة. هذا النور هو نور العقل والايمان الذي يبلغ بالانسان الى فهم حقيقة الحب الطبيعية والفائقة الطبيعة، والى فهم العطاء والقبول والشركة. من دون الحقيقة، الحب يهوي الى الافراط في الشعورية، ويصبح قشرة فارغة معرّضة للامتلاء عشوائياً، ويمسي ضحية المشاعر والآراء الراهنة، كما يضحي لفظة مشوّهة تعني عكسها. الحقيقة تحرر الحب من الانفعالية الضيّقة في العلاقات الفردية والاجتماعية، ومن ايمانية (fidéisme) تحرمه النفحة الانسانية الشاملة. مع الحقيقة، الحب يعكس بُعد الايمان الشخصي والعمومي بالاله البيبلي الذي هو في آن محبة (Agapé) وحقيقة (Lógos)، او محبة وكلمة (الفقرة 3). الحقيقة- Lógoz تخلق الحوار dià – Lógos وبالتالي التواصل والشركة، وتفتح العقول على الحب، وتعكس هكذا جوهر المسيحية.
لكن مسيحية محبة من دون حقيقة تكون بمثابة خزّان من النوايا الصالحة للعيش الاجتماعي، وذات تأثير مشين ولا تبقي لله مكاناً خاصاً واصيلاً في العالم، بل المحبة تُنحّى الى حيّز ضيّق وفقير علائقياً، وتفقد دورها في تحقيق انماء انساني شامل (الفقرة 4).
بما ان المحبة هبة- نعمة من الله تُقبل وتُعطى، فانها حب خلاّق مثل حب الله الذي اعطانا الوجود، وافتدانا وخلقنا من جديد، وبما انها مبنية على الحقيقة، فمنها ينطلق تعليم الكنيسة الاجتماعي الذي هو " خدمة المحبة في الحقيقة". من دونهما يصبح العمل الاجتماعي ضحية المصالح الخاصة ومنطقِ السلطة التي تتسبب بتفكك المجتمع (الفقرة 5).
****
ثالثاً، تحضير جمعية سينودس الاساقفة الخاصة بالشرق الاوسط
هذه الجمعية الخاصة بالشرق الاوسط اعلنها قداسة البابا بندكتوس السادس عشر في 19 ايلول 2009 في اجتماعه مع بطاركة الشرق الكاثوليك ورؤساء الاساقفة الكبار للكنائس الشرقية. انها نتيجة اهتمامه بمسيحيي الشرق الاوسط بعد زيارتين رسوليتين الاولى الى تركيا (28 تشرين الثاني – اول كانون الاول 2006)، والثانية الى الاراضي المقدسة: الاردن واسرائيل وفلسطين (8-15 ايار 2009)، اتاحتا لقداسته معرفة اوضاع المسيحيين بشكل مباشر من خلال ما شاهد وسمع.
اختار قداسته موضوعاً للجمعية الخاصة " الكنيسة الكاثوليكية في بلدان الشلاق الاوسط: شركة وشهادة"، في ضوء ما قيل عن الكنيسة الناشئة في عهد الرسل: " وكان جماعة المؤمنين قلباً واحداً وروحاً واحداً" ( اعمال 4: 32).
اعدت الامانة العامة لسينودس الاساقفة الوثيقة الاولى المعروفة " بالخطوط العريضة"- Lineamenta، التي عرضت الموضوع وطرحت اسئلة للتشاور. في غضون شهري اذار ونيسان 2010، تلقت الامانة العامة الاجابات على الاسئلة من خمسة مصادر: مجامع اساقفة الكنائس الشرقية، المجالس الاسقفية في البلدان المعنية، الدوائر الرومانية، اتحاد الرؤساء العامين والعامات للجمعيات الرهبانية، الافراد والجماعات الكنسية.
انطلاقاً من هذه الاجابات صاغت الامانة وثيقة " ادارة العمل"Instrumentum laboris. من مواضيعها يعدّ آباء السينودس مداخلاتهم عندما تنعقد الجمعية الخاصة في روما من 10 الى 24 تشرين الاول 2010.
في برنامج التنشئة المسيحية الاسبوعي، نعرض تباعاً مضمون وثيقة اداة العمل، لكي يتمكن متابعو هذا البرنامج من مواكبة التحضير بالتفكير والاطلاع والصلاة، فتأتي الجمعية بمثابة عنصرة جديدة للكنيسة في الشرق الاوسط، يُطلقها الروح القدس بقوته وهدايته[4].
1. الهدف المزدوج لجمعية السينودس الخاص بالشرقالاوسط (الاعداد 3-5).
الهدف الاول هو تثبيت المسيحيين في هويتهم المسيحية وتقويتهم، بواسطة كلمة الله والاسرار، والثاني الناتج عن الاول هو احياء الشركة الكنسية بين الكنائس الكاثوليكية، من اجل تقديم شهادة حياة مسيحية حقيقية.
تشمل الشركة اربعة مستويات: في داخل كل كنيسة كاثوليكية، وبين الكنائس الكاثوليكية، ثم مع الكنائس الارثوذكسية والجماعات الكنسية الناشئة عن الاصلاح، واخيراً مع جميع ذوي الارادة الصالحة من مسلمين ويهود واتباع الديانات الاخرى، وذلك في الجماعات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
اما الشهادة المسيحية فتتخذ طابع العمل المسكوني مع الكنائس الاخرى، وطابع الحوار مع الاديان، بحيث تكون هذه الشهادة الحياتية عامل اجتذاب وتعاطف، ومناسبة لمعرفة سرّ المسيح، واذكاء للرغبة في الانضمام الى اعضاء جماعة المؤمنين.
2. السبيل لبلوغ الهدف المزدوج (عدد6)
يُطلب من آباء السينودس توفير ثلاثة، لبلوغ الهدف من جمعية السينودس:
أ-عرض احوال المسيحيين في بلدان الشرق الاوسط، وتحليل جوانبها الايجابية والسلبية.
ب-تزويد المسيحيين باسباب وجودهم في مجتمعهم ذي الاغلبية المسلمة العربية والتركية والايرانية، وفي اسرائيل ذي الاغلبية اليهودية.
ج- كشف رسالتهم في كل بلد "كشهود حقيقيين" للمسيح القائم من بين الاموات، والحاضر في كنيسته بقوة الروح القدس، وفي البلاد التي يعيشون فيها.
***
صلاة
ايها الرب يسوع، لقد اشركتنا بمسحتك، مسحة الروح القدس، وجعلتنا شعباً كهنوتياً مدعواً ليستنير بكلمة الانجيل، ويتقدس بنعمة الاسرار، ويعيش المحبة. وقد سلمتنا رسالتك الكهنوتية المثلثة بقيادة رعاة الكنيسة ليمارسوها في شركة تراتبية. أعطنا ان نعمل معاً في سبيل انماء الشخص البشري والمجتمع على قاعدة المحبة في الحقيقة. وجّه خطانا بانوار روحك القدوس في تحضير جمعية سينودس الاساقفة الخاصة بالشرق الاوسط، لكي نبلغ هدفها بتثبيت المسيحيين في هويتهم المسيحية بواسطة كلمة الانجيل ونعمة الاسرار، واحياء الشركة الكنسية كمصدر وقوة ولشهادتنا المسيحية في مجتمعاتنا المشرقية. فنرفع المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الاله الواحد، الآن والى الابد، آمين.
***
[1]. خطابه في مقابلة الاربعاء العامة، 26 ايار 2010.