الكنيسة تعمدت بحلول الروح القدس عليها، يوم العنصرة، وبدأت زمنها بقيادة الروح القدس. بعد ان تمم الرب يسوع رسالته الخلاصية اوكل رسالته الى بشر: الرسل والتلاميذ والكنيسة. لكن الروح القدس هو الذي يكمّل العمل بواسطتهم في روح الانسان وتاريخ البشر. القراءات المقدسة تكلمنا عن هذا الارسال وهذه الرسالة.
رسالة الاثنين والسبعين هي رسالة المسيحيين عموماً، وهي ان يعدّوا طريق الرب يسوع الى القلوب والعقول والنفوس، الى العائلة والمجتمع، الى ثقافات الشعوب.
جميع المؤمنين بالمسيح العائشين في العالم مرسلون بحكم معموديتهم. انهم مدعوون ليحملوا الانجيل، في قولهم ومثل حياتهم، في افعالهم ومواقفهم، في ثقافتهم وفنونهم، الى جميع الذين لا يعرفون المسيح، فادي الانسان، وهم الملايين الكثيرة من الرجال والنساء والشباب. ولهذا يقول الرب يسوع في انجيل اليوم: " الحصاد كثير والفعلة قليلون، فاطلبوا من رب الحصاد ان يخرج فعلة الى حصاده" (لو10: 2).
ويقول بولس الرسول في رسالة اليوم للمؤمنين بالمسيح العائشين في العالم: " انتم رسالة المسيح التي نحن خدمناها، وهي مكتوبة لا بمداد، بل بروح الله الحي، لا على الواح من حجر، بل على ألواح قلوب من لحم ودم" (2كور3: 3).
نشكر الله على ان رجالاً ونساء يعملون داخل العائلات والمدارس والحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، ومنهم من يعلّم العقيدة المسيحية في الدور التربوية والرعايا والمنظمات الرسولية واللجان الراعوية. كما ان جماعات مسيحية نشأت بفضل المرسلين العلمانيين، رجالاً ونساءً.
فلا بدّ من تذكير المسيحيين بانهم يشاركون، بحكم معموديتهم والميرون، في وظيفة يسوع المسيح المثلثة: النبوية والكهنوتية والملوكية. الوظيفة النبوية توجب عليهم معرفة المسيح والانجيل وتعليم الكنيسة، واتخاذ مواقف ايمانية، وطبع الشؤون الزمنية بالقيم الروحية والخلقية. الوظيفة الكهنوتية تحملهم على المشاركة في سرّ القربان والاعمال الليتورجية المقدسة، وعلى الصلاة والعبادة، فيجعلون من اعمالهم وتضحياتهم وافراحهم واحزانهم قرابين روحية، يضمونها الى قربان المسيح في قداس الاحد. الوظيفة الملوكية تفتح قلوبهم لمحبة المسيح المسكوبة بالروح القدس من اجل انتصار النعمة على الخطيئة، والخير على الشر، ويعملون جاهدين على محاربة الظلم والعداوة والنزاعات باحلال العدالة والاخوّة والسلام[1].
تنفتح امام المسيحيين العائشين في العالم حقول واسعة هي بحاجة لان تُطبع بجدّة الانجيل وقيمه، مثل عالم الحياة الاجتماعية، وعالم الاقتصاد، وعالم السياسة، وعالم الادارة، وعالم القضاء، وعالم الاعلام وتقنياته. انها حقول تناولتها الكنيسة بتعليمها المتشعب الذي يكشف اسس هذه العوالم اللاهوتية، ومبادئها الاخلاقية، ومعايير العمل فيها، بحيث تهدف الى خير الشخص البشري وانماء المجتمع. فينبغي على المؤمنين بالمسيح ان يطّلعوا على هذا التعليم، ويمتلؤا من مبادئه، ويُدخلوه في ثقافة هذه العوالم.
لا يستطيع المسيحيون ان يتخلوا عن الرسالة التي اوكلها اليهم الرب يسوع بحكم معموديتهم. فانه " يرسلهم امام وجهه الى كل موضع ومدينة يزمع ان يمضي اليها" ( لو10: 1). ان رسالتهم القائمة على طبع شؤونهم الزمنية بقيم الانجيل، انما هي إعداد الطريق ليدخل المسيح الكلمة والفادي الى عوالمهم ليزرع فيها الحرية والحقيقة والعدالة والمحبة. من هذه الرسالة يستمدون كرامتهم وقدسية حياتهم.
***
ثانياً، قضايا مطروحة: العلمانية
تقوم مبادرات وأنشطة ومظاهرات تنادي بالعلمانية. فما هو موقف الكنيسة من العلمانية؟
العلمانية هي في الاساس فصل الدين عن الدولة، بحيث لا تكون الدولة ذات نظام تيوقراطي اي لا تكون فيها ديانة تُسمى " دين الدولة"، ولا يكون مصدر التشريع فيها كتاب وحيها، مثل التوراة والانجيل والقرآن، ولا تنحصر السلطة السياسية والعسكرية والقضائية بأتباع ديانة الدولة.
الكنيسة هي مع هذه العلمانية، مذ قال الرب يسوع: " أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" (مر12: 17). بهذا الكلام، يضع الرب كل مواطن امام واجبين متلازمين تجاه كل من الدولة والله: مطلوب منه في آن الولاء للدولة بمواطنة ملتزمة بالواجبات المدنية، والخضوع لله بحفظ رسومه ووصاياه وبالقيام بواجب العبادة. وبهذا الكلام ايضاً، انتزع الطابع " الالهي" عن السلطة السياسية، فلا تؤلّه هذه السلطة، بل تبقى خاضعة للسلطة الالهية التي لا يستطيع احد ان يتفلّت من شريعتها على مستوى المبادىء والشريعة الاخلاقية. كما انتزع الطابع " القدسي" عن الارض التي تخضع لنظام تيوقراطي ديني، فملكوت الله يمتد الى اقاصي الارض، " والعبادة الحقة هي بالروح والحق"
(يو4: 24).
ان كلمة المسيح " اعطو ما لقيصر لقيصر وما لله لله " تميّز بين النظامين السياسي والديني، دون ان تجعل منهما مجتمعين متوازيين ، بل هما مجتمع واحد حيث يستطيع اشخاص احرار ويجب عليهم في الوقت عينه ان يؤدوا ضميرياً واجباتهم كمواطنين وان يلتزموا بمسيرة روحية اصيلة. ينبغي ان يتحقق ، في آن معاً وبذات الحركة ، الخير العام وحرية الاشخاص . التمييز بين النظامين يسمح بأن نفهم المجتمع السياسي كمجتمع منفتح ، حيث على كل شخص وله ان يجد وحدته من خلال خيارات حرّة.
التمييز بين النظامين لا يعني انه يوجد من ناحية رجال سياسة ، ومن ناحية اخرى رجال دين. بل الاشخاص هم اياهم في آن معاً مواطنون في الدولة واعضاء في مذهب ديني ، بكمال الشخص (intégrité) أي بوحدة شخصيته الحرة ونزاهة قراراته . المسيحي هو مواطن في الدولة بالمولد ومواطن في السماء بالايمان .
لهذا السبب ، تحبذ الكنيسة " علمنة الدولة " من اجل احترام حرية المواطنين الدينية ، ومن اجل تجنب توتاليتارية السياسة وتيوقراطية الدين .
مواطنية المسيحي في الدولة ومواطنيته في السماء لا تخلقان عنده نزاعاً داخلياً بل تناغماً يفترض ثلاثة :
أ- ان لا تستأثر " المدينة الارضية " بأي ادعاء حول المصير الروحي للكائن البشري، بمعنى أن لا يتخذ "قيصر" صفة الاله ، وان تحترم الدولة حرية المواطنين الدينية.
ب- ان لا يدّعي ممثلو " مدينة السماء " النيابة عن المسؤولين السياسيين في المجتمع، فلا تقع السلطة الدينية في تجربة التيوقراطية .
ج- ان يلتزم الانسان بالمقتضيات التي تستلزمها مواطنيته في الدولة وفي السماء، في ضوء ضميره المستنير والواعي .
لكنالكنيسة تشجب العلمانية، اذا كانت تعني عقيدة فلسفية تحتوي على مفهوم مادّي وملحد للحياة البشرية والمجتمع ، واذا كانت الدولة تعتبر هذا المفهوم نظاماً سياسياً للحكم، وتريد فرضه على المواطنين ، حتى في حياتهم الخاصة ، وعلى المدارس الرسمية ، وعلى الامة باسرها .وتشجب "علمنة الدولة " اذا كانت تعني ارادة الدولة في عدم الخضوع لاي سلطة معنوية اعلى ، وفي الاعتراف فقط بمصلحتها كقاعدة لعملها . هذا المفهوم خطر وكاذب ورجعي : لانه يعود بنا الى الدولة الوثنية ، التي تعتبر الحاكم السيد المطلق على الضمائر والحياة ، ولقد حررتنا المسيحية من هذه الدولة الوثنية.
ان العلمانية تعني استقلالية المساحة المدنية والسياسية عن المساحة الدينية والكنسية، لكنها لا تعني تنكرها للواجب الديني والاخلاقي. يجب التنبه الى مخاطر الخلط بين المساحة الدينية والمساحة السياسية. فلا التشريعة الدينية تستطيع ان تصبح شريعة الدولة لانها تتعدى من جهة على التمييز بين الصلاحيات الدينية وصلاحيات المجتمع السياسي، وقد تؤدي من جهة ثانية الى خنق الحرية الدينية والحدّ من حقوق الانسان السياسية او حتى انكارها. ولا الدولة تستطيع ان تبسط سلطتها على المسائل الدينية، مثل: حقائق الايمان، ممارسة افعال العبادة، الاسرار، العقائد اللاهوتية، العلاقات بين السلطة الكنسية والمؤمنين. فهذه كلها تقع خارج صلاحياتها، الا اذا اخلّت بالانتظام العام. والعلمانية لا تعني التخلي عن البحث المخلص عن الحقيقة، وعن حماية وتعزيز الحقائق الخلقية بشأن الحياة الاجتماعية والعدالة والحرية واحترام الحياة وحقوق الشخص الآخر ( الاعلان التعليمي، 6).
***
ثالثاً، يوبيل القديس مارون بمرور 1600 سنة على وفاته (410-2010)
اليوبيل مناسبة للعودة الى نقطة الانطلاقة في تاريخ الكنيسة المارونية من اجل تصحيح الحاضر، والانطلاق نحو مستقبل جديد. نرفض اليوم نقطتين من حياة الموارنة تتعلقان بلبنان، مستمدتين من مقالة الدكتور شارل مالك: " الكثير المطلوب من الموارنة".
1. اُعطي الموارنة هذا الجبل العظيم. جبل لبنان اسم من أعطر الاسماء في الكتاب المقدس وفي التاريخ. اقترن اسمه بالمجد والكرامة والشموخ والبهاء والجمال والقداسة والصمود والرائحة الزكية. و " بأرز الرب" الخالد. وهو اليوم استراتيجياً من أشّد الحصون مناعة في هذا المشرق. ليس لذاته وفي حدّ ذاته فحسب، بل في تدبير الشرق الاوسط الدفاعيّ العام. لم يُعط شعب في المنطقة كلها شيئاً بالطبيعة شبيهاً به. واذا اعتبرنا اهمية هذه المنطقة اليوم في الاستراتيجية العالمية، وموقع الجبل الفريد، الشامخ من البحر مباشرة. انه عطية عظيمة. التفريط به، بأي شكلٍ، جريمة لا تغتفر. السؤال هو: هل يستأهل اللبنانيون، هل يستأهل الموارنة هذه العطية العظيمة؟ هل يقدرونها حق قدرها؟ لبنان معطى للجميع، ولذلك كلنا جميعاً، وبالاخص الموارنة، مؤتمنون على هذا الجبل-مؤتمنون عليه كي يبقى منيعاً بأيديهم وبأيدينا كلنا، وكي يكونوا ويبقوا هم، ونكون ونبقى جميعاً. جديرين بما اقترن اسمه به معنوياً في التاريخ. " مجد لبنان اُعطي له" شعارٌ يدل على أن مجداً عظيماً اعطي الموارنة، مجداً بقدر ما يبعث على العزة والفخار يستدعي ايضاً متنهى العبرة والتواضع[2].
2. واُعطوا لبنان شعباً وتراثاً وقيماً. لا يمكن فصل شعب لبنان وقيمه وتراثه عن جبل لبنان. الجبل دمغ الشعب دمغاً، واسهم بشكل حاسم في تكوين تراثه وقيمه. الساحل ايضاً، بانفتاحه غرباً، دمغ شعب لبنان.
عندما اقول إن الموارنة أعطوا لبنان بشعبه وتراثه وقيمه، لا أعني أن الفئات الأخرى بتراثها وقيمها هي ملك للموارنة. ان ما اعنيه ان الفئات جميعاً اعطيت بعضها لبعض بمجرد تواجدها في بلد واحد تتفاعل فيه بعضها مع بعض. بهذا المعنى لبنان، بشعبه وتراثه وقيمه، اُعطي للدروز وللسنيين وللشيعة وللارثوذكس وللكاثوليك الملكيين ولجميع الفئات الاخرى التي تتكوّن مها الاسرة اللبنانية، لكنه أعطي ايضاً للموارنة, من هنا مسؤوليتهم الهائلة تجاه الآخرين المعطون لهم. اني استفرد هنا إعطاء لبنان للموارنة لأننا في صدد الكثير المعطى لهم، وبالتالي في صدد الكثير المطلوب منهم بالذات.
والمطلوب منهم، قبل كل شيء، بالنسبة للبنان المعطى لهم، شعباً وتراثاً وقيماً، ان يحرصوا الحرص كله على الحرية الشخصية الكيانية الانسانية المسؤولة، التي وحدها تؤمّن تعددية تراثاته وتفاعلها السامي الخلاّق بعضها مع بعض. بامكان الموارنة ان يتساهلوا في كل شيء او يتفاوضوا حول اي شيء ما عدا هذه الحرية الشخصية الكيانية. بدونها لا وجود لهم وحتى لا معنى لوجود لبنان. حتى ان وُجد.
مطلوب من الموارنة بنوع خاص ان يحافظوا على قيم لبنان وتراث شعبه وهي: الانفتاح العالمي، اقتصاداً ومجتمعاً وفكراً وتحسساً وتقديراً وتعاملاً وإنفعالاً واعطاءً؛ الخلق الفكري الحرّ الفريد في هذا المشرق؛ نشدانُ الحقيقة في كُل حقل وباب والقبضُ عليها واعلانها؛ المشاركة الداخلية، الفاعلة والمنفعلة، في التراث الانساني الكياني العالمي المتراكم الواحد؛ المبادرة الفردية المغامرة الخلاقة؛ التعددية السمحاء في حدود القانون؛ الاحترام الحقيقي المتبادل للغير؛ المسيحية الآمنة الحرة؛ التعلق الوثيق بالارض والتراب والتراث الحي؛ العادات والاعراف اللبنانية المميزة. هذه وغيرها من القيم العظيمة، يطلب الى الموارنة على الآخصّ ان يقدّروها ويرعوها ويحافظوا عليها، كنزاً لا يُثمن، كنزاً يُثري ذاته، ويثري العرب إنسانياً اذا أحبوا الافادة منه، ويثري الشرق الأوسط، ويثري العالم[3].
***
صلاة
ايها الرب يسوع، في تذكار ارسالك للمؤمنين بك ليحملوا رسالتك الخلاصية الى عالمهم وحقولهم الزمنية، جدّد فيهم التزامهم بهذه الرسالة التي قبلوها بالمعمودية والميرون. اعضد رعاة الكنيسة في تنشئتهم للمؤمنين العلمانيين وتهيئتهم لتحمّل مسؤوليتهم الرسولية في الكنيسة والمجتمع، في العائلة وفي قطاعات الحياة العامة. أنر ضمائر المسيحيين بتعليمك الالهي لكي يكونوا في آن مواطنين مخلصين لدولتهم، ومؤمنين ملتزمين بواجبهم الديني تجاه الله، في رحاب الكنيسة. في سنة يوبيل القديس مارون جدّد التزامنا جميعاً بحماية لبنان وتراثه ورسالته في بيئته العربية، وفي الاسرة الدولية. فنرفع المجد والشكران للآب والابن والروح القدس، الآن والى الابد، آمين.