javascript:void(0)

 
 
 
الاحد السادس من زمن العنصرة 27 حزيران 2010 Print E-mail

الاحد السادس من زمن العنصرة

1 كورنتس 12: 12-13؛37-30

متى 10/16-25

رسالة الكنيسة بين المخاطر والعضد الالهي

 

          زمن الكنيسة الذي بدأ مع حلول الروح القدس، يوم العنصرة، يتصف بمواصلة رسالة المسيح الخلاصية الموجّهة لكل الشعوب، بالرغم مما يكتنفها من مصاعب، كما يكشف انجيل اليوم. لكنها رسالة يقودها الروح القدس بما يوزع من مواهب وخدم على ابناء الكنيسة وبناتها، بوصفهم اعضاء في جسد المسيح الواحد، حسب رسالة القديس بولس لهذا الاحد.

 

 

اولاً، القراءات المقدسة

 

من انجيل القديس متى 10/16-25

 

هَا أَنَا أُرْسِلُكُم كَالـخِرَافِ بَيْنَ الذِّئَاب. فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالـحَيَّات، ووُدَعَاءَ كَالـحَمَام. إِحْذَرُوا النَّاس! فَإِنَّهُم سَيُسْلِمُونَكُم إِلى الـمَجَالِس، وفي مَجَامِعِهِم يَجْلِدُونَكُم . وتُسَاقُونَ إِلى الوُلاةِ والـمُلُوكِ مِنْ أَجْلي، شَهَادَةً لَهُم وِلِلأُمَم. وحِيْنَ يُسْلِمُونَكُم، لا تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَو بِمَاذَا تَتَكَلَّمُون، فَإِنَّكُم سَتُعْطَونَ في تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِ. فَلَسْتُم أَنْتُمُ الـمُتَكَلِّمِيْن، بَلْ رُوحُ أَبِيْكُم هُوَ الـمُتَكَلِّمُ فِيْكُم. وسَيُسْلِمُ الأَخُ أَخَاهُ إِلى الـمَوْت، والأَبُ ابْنَهُ، ويَتَمَرَّدُ الأَوْلادُ عَلى وَالِدِيْهِم ويَقْتُلُونَهُم. ويُبْغِضُكُم جَمِيْعُ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي، ومَنْ يَصبِرْ إِلى الـمُنْتَهَى يَخْلُصْ. وإِذَا اضْطَهَدُوكُم في هـذِهِ الـمَدِينَة، أُهْرُبُوا إِلى غَيْرِهَا. فَالـحَقَّ أَقُولُ لَكُم: لَنْ تَبْلُغُوا آخِرَ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسَان. لَيْسَ تِلْميذٌ أَفْضَلَ مِنْ مُعَلِّمِهِ، ولا عَبْدٌ مِنْ سَيِّدِهِ. حَسْبُ التِّلْمِيذِ أَنْ يَصِيْرَ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ، والعَبْدِ مِثْلَ سَيِّدِهِ. فَإِنْ كَانَ سَيِّدُ البَيْتِ قَدْ سَمَّوْهُ بَعْلَ زَبُول، فَكَمْ بِالأَحْرَى أَهْلُ بَيْتِهِ؟

 

يكشف الرب يسوع لرعاة الكنيسة وللمسيحيين عن المصاعب المخاطر التي يواجهونها، فيما هم يقومون برسالتهم في مجتمعاتهم. ولقد واجهوا كل هذه المصاعب والمخاطر في القرون الثلاثة الاولى من اليهود ومن الامبرطورية الرومانية الوثنية، التي فرضت " الوثنية" كدين للدولة، فكانت قافلة الشهداء حتى سنة 313 عندما اعلن قسطنطين الملك بمرسوم ميلانو الحرية الدينية في الامبراطورية. لكن الاضطهادات والمصاعب والمخاطر ما زالت نُمارس على الكنيسة ورسالتها. ولقد عددها المكرّم البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته العامة: رسالة الفادي[1].

 

أ. صعوبات كانت لتدفع الى اليأس، لو كان الامر متعلقاً بالعمل البشري وحده. فان بعض البلدان تمنع المرسلين من الدخول اليها، والبعض الآخر يحرّم اعلان الانجيل وحرية المعتقد واعمال العبادة المسيحية. في امكنة اخرى رفض لثقافة القيم التي تقدّمها الرسالة الانجيلية.

          ب. صعوبات داخلية مؤلمة هي: فقدان روح التقوى، التعب والانزعاج من واجبات العبادة، الرتابة واللامبالاة، فقدان الفرح والرجاء.

          ج. انقسامات المسيحيين التي تشكّل عقبات كبيرة امام روح الرسالة في الكنيسة. ما تسبب بالتقلّص المسيحي في عدة بلدان مسيحية، وبالنقص في الدعوات الى الرسالة، والشهادات المعاكسة من قبل مؤمنين وجماعات مسيحية لا يتبعون مثال المسيح في حياتهم، وذهنية القول بأن " كل الاديان متساوية".

 

          لكن الرب يسوع قال لنا اننا لسنا نحن انفسنا ابطال الرسالة، بل يسوع المسيح وروحه القدوس، ويدعونا الى الثقة الآتية من الايمان،  بقوله: " متى سلّموكم فلا تهتموا كيف او بماذا تتكلمون. فانكم تعطون في تلك الساعة ما به تتكلمون. لانه لستم انتم المتكلمين بل هو روح ابيكم المتكلم فيكم" ( متى 10: 19-20). ولذا، يدعونا الى الصبر، لان " من يصبر الى المنتهى يخلص" ( متى10:22).

 

           ومن ناحية اخرى، يؤكد بولس الرسول، في رسالة اليوم، ان رعاة الكنيسة وابناءها وبناتها يقومون برسالة الخلاص وفقاًُ للمواهب التي يوزعها الروح القدس عليهم، كاعضاء في جسد المسيح الواحد ( 1 كور 12: 27-30). ما يعني ان الله هو سيّد الرسالة، وان المواهب والخدم والاعمال في الكنيسة هي من عطايا الروح القدس، الذي يقود الكنيسة ويؤيّد اعمالها ويعضدها بقوته الخفية.

          ان كلام بولس عن المواهب دعوة مزدوجة: الى تمييز المواهب الشخصية ووضعها في خدمة جسد المسيح، الذي هو الكنيسة؛ والى تنسيق الاعمال والخِدم وفقاً للمواهب، من اجل التكامل في الرسالة، والشمولية في قطاعاتها والحاجات، وتحديد المسؤوليات وتوزيعها.

          ذلك ان حقول رسالة الكنيسة تشمل مناطق جغرافية، وعوالم جديدة تتأثر بها الشبيبة والعائلات والمجتمعات، كما تشمل مساحات ثقافية متنوعة مثل وسائل الاعلام وما خلّفت من ثقافة جديدة وتصرفات فردية وعائلية واجتماعية، وما أوجدت من لغات جديدة وتقنيات وتصرفات. " فالقطيعة بين الانجيل والثقافة هي بدون شك مأساة عصرنا"، على ما ردد البابا بولس السادس. ومن بين المساحات الثقافية ايضاً: قضايا السلام، وترقي الشعوب وتحريرها، حقوق انسان والجماعات وبخاصة الاقليات، وترقي المرأة، وحقوق الطفل، والبيئة. كلها حقول يجب انارتها بنور الانجيل[2].

 

***

ثانياً، عيد القديسين الرسولين بطرس وبولس ( 29 حزيران)

 

          يلقي عيد الرسولين بطرس وبولس ضوءاً ساطعاً على رسالة الكنيسة في زمن العنصرة. اعلن الرسولان حقيقة المسيح الخلاصية وملكوت الله حتى شهادة الدم في عهد نيرون وفي روما عاصمة الامبراطورية. ان استشهادهما أرسى الكنيسة الرومانية على صخرة الايمان والحقيقة.

          يدعو بطرس الرسول في رسالته الاولى رعاة الكنيسة ومؤمنيها الى القيام برسالتهم انطلاقاً من المسيح، الذي هو " راعي نفوسنا وحارسها" (1 بطرس 2: 25).

          ان لفظة "حارس نفوسنا" في الاصل اليوناني هي " Episcopos" اي " اسقف نفوسنا"، بمعنى من ينظر من اعالي الله، نظرة حب وخدمة ومساعدة. المسيح " اسقف نفوسنا" هو الذي ينظر الينا من منظار الله، فيساعدنا للمحافظة على جوهر كياننا، وعلى قدرتنا لبلوغ الحقيقة وعيش المحبة ومعرفة الله معرفة حقيقية. هذا هو الهدف من رسالة الكنيسة. المسيح " اسقف نفوسنا" هو مثال الاسقف والكاهن، المطلوب منهما اتخاذ موقف المسيح: التفكير والنظر والعمل من منظار المسيح؛ وانطلاقاً منه، يكون الاسقف والكاهن في تصرف جميع الناس، لكي يجدوا الحياة.

          ولفظة " اسقف" قريبة من لفظة  "راعي" لانها تولي مسؤولية رعاية المؤمنين وحمايتهم والمحافظة عليهم وتأمين المراعي الخصبة: كلام الله وتعليم الكنيسة ونعمة الاسرار وهبة الروح القدس[3].

 

          اما القديس بولس، رسول الامم، فهو المثال الخارق العادة للكارزين بالانجيل، وقد  قام باسفار رسولية عديدة، من منطقة الى منطقة لينشر انجيل المسيح، لكنه يتصف بميزة خاصة هي تماهيه الكامل مع خدمته، والشركة التامة مع المسيح، ما جعله يقول: " انا احيا، لا انا، بل المسيح يحيا فيّ" ( غلاطية 2:20).

          ان اعلان الانجيل، على مثال بولس الرسول، هو اعلان شخص المسيح الكلمة، لا كلمات. يقتضي من الكاهن التجرّد عن الذات، فلا يكون " سيّد" الكلمة، بل خادمها. ليس هو الكلمة، بل صوتها " صوت الذي ينادي: " في البرّية أعدوا طريق الرب، واجعلوا سبله قويمة" ( مر1: 3). ان يكون الكاهن " صوت" لا يعني انه مجرد موظّف، بل على العكس، هذا يفترض منه " خسارة الذات" من اجل المسيح، بحيث يشارك في سرّ موته وقيامته بكل ذاته: العقل والحرية والارادة وتقدمة جسده كذبيحة حيّة ( روم 12: 1-2). بمقدار ما يشارك الكاهن في ذبيحة المسيح، واخلاء ذاته، بمقدار ذلك يكون اعلان الانجيل اصيلاً[4].

***

ثالثاً، يوبيل القديس مارون بمرور 1600 سنة على وفاته (410-2010)

 

          اليوبيل دعوة الى ادراك الهوية المارونية في عمقها من اجل العيش بموجبها واداء رسالتها. تقدّم اليوم وجهاً آخر من تراث الكنيسة المارونية، نستمده من مقالة العلاّمة شارل مالك[5].

          اُعطيَ الموارنة بكركي. بكركي مركز روحي فريد في الشرق الأوسط. الكل يتطلعون الى قيادته وتوجيهه. باستطاعة هذا المركز الكبير جمعُ شمل الموارنة وأكثر من الموارنة. أثرُه يُلمسُ اذا تحرّك، وقد يُلمس أكثر اذا لم يتحرّك. او اذا تحرك بما لا يتكافأ مع قدر التحدّي. أما نجاعةُ التحرك فتتوقف على العيش على مستوى لحظة التاريخ الحاسمة. لا يكفي مجرّد الحفاظ على الرعية والاعراف والتراث، لا يكفي مجرّد البقاء والاستمرار. الحاسم اليوم وعيُ الحركات المصيرية الصاخبة في العالم وعياً مسؤولاً تاماً، وتوظيفها، او توظيف ما أمكن منها، في سبيل التراث والبقاء.

          أما "الحركات المصيرية الصاخبة" فتشمل بالطبع ما يوحيه تطوّر الكنيسة الكاثوليكية منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، وأقوال البابا وتوجيهاته. لكنه يتعدّى ذلك الى ما هو أوسع منه بكثير. يتعداه الى التطور الواقع و"المتطوّر" في الحركة المسكونية المسيحية، وفي الحركة المسكونية بين المسيحية وغيرها من الاديان؛ يتعداه الى نزعات العصر الفكرية والكيانية، الى الأيديولوجيات الثورية المجتاحة العالم، الى استيعاب مغزى التطور " المتطور" الهائل في الاقتصاد والمجتمع والسياسة والعلوم التكنولوجية الذي قلب كل قياسٍ وكل حسبانٍ سابقين رأساً على عقب، والى دقائق ما هو جارٍ وسيجري في سياسات الشرق الاوسط وسياسات العالم، مما قد يُحتّم اعادة النظر في كل شيء ألفناه انه أبدي.

          بكركي من الاهمية بحيث اذا خرِبَ لبنان وبقيت هي سليمة معافاة قوية، ماسكة بيد من حديد بزمام دعوتها التي أنيطت بها، فباستطاعتها وحدها أن تُعيد تعمير لبنان. أما، لا سمح الله، اذا خربت بكركي او وهنت او حلّ بها سقمٌ ما، فلبنان وحده لا يستطيع اغاثتها كي تستعيد عافيتها وتبني ذاتها من جديد، واذا كان لبنان خرباً فقد لا يستطيع ان يعمر نفسه بنفسه اذا كانت بكركي ايضاً خربة. اي مؤسسة اخرى في لبنان يصحُ فيها هذا القول؟ واذا قدّرنا ماذا يعنيه لبنان تاريخياً وعالمياً، تجلّى لنا مركز بكركي الفريد, وتبعتها  العظمى، في لبنان وفي العالم.

          اما اسباب تفرّد بكركي بهذا المركز العظيم فتعود الى طبيعة المارونية والموارنة، والى تاريخهم وتمركزهم في هذا الجبل، والى مجتمعهم المتلاحم المتراص، والى تنظيمهم المدني والكنسي. كل من هذه العوامل يستدعي بحثاً خاصاً مستفيضاً. بكركي مؤسسة حتّم افرازها تاريخ الموارنة، وطبيعتهم، وخبرتهم الكيانية، ومعاناتهم ومعاناة ُ مسيحيي هذا المشرق الصاخبة المأساوية عبر الاجيال، المعاناة التي لم تستقر يوماً وقد يكون قدرها ان لا تستقر ابداً.

          اذا شاءت العناية ان تمثل بكركي دورها المرسوم، واذا استجابت بكركي لهذه المشيئة، فباستطاعتها ان تكون العامل الحاسم في مصير لبنان وفي مصير اكثر من لبنان. هذا الدور الحاسم يستدعي منتهى الحكمة والحزم والاقدام والتضحية والتواضع. وعلى اية حال، فان الموارنة أعطوا بكركي، وهي شيء كثير، ولذلك يطلب منهم ومن بكركي الكثير.

 

***

          صلاة

          ايها الرب يسوع، نلتمس نعمتك القديرة لكي تعضدنا في رسالة الخلاص الى جميع الشعوب، التي اوكلتها لكنيستك، فنتجاوز المخاطر، ونصبر على المحن، ونصمد في الشهادة. ايها الروح القدس، ضع على ألسنتنا كلمة الحق والمحبة، واجعل الرجاء حيّة فينا لنسير على خطى الفادي اليه، مهما ثقل الصليب. في يوم تطويب الاخ اسطفان نعمه، اعطنا ان نتبع نهجه بشعار " الله يراني". في يوبيل القديس مارون، نسألك ان تحفظ رئيس رعاة كنيستنا المارونية، واجعل من شخص البطريرك الضامن لوحدة الايمان والكلمة، ومن الكرسي البطريركي ينبوع رجائنا بالمسيح، وملاذنا الآمن في الصعاب. فنرفع المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن والى الابد، آمين.

 


[1] . رسالة الفادي، عدد 35-36.

[2] . رسالة الفادي، عدد 37.

[3] . عظة البابا بندكتوس السادس عشر في عيد الرسولين بطرس وبولس، 29 حزيران 2009.

[4] . كلمة البابا بندكتوس السادس عشر في المقابلة العامة، 24 حزيران 2009.

[5] . رسالتان الى الموارنة، ص 11-13.

Attachments:
FileDescriptionFile size
Download this file (2010-06-27_3ansara_6eme.doc)الاحد السادس من زمن العنصرة 27 حزيران 2010الاحد السادس من زمن العنصرة 27 حزيران 201068 Kb
Download this file (2010-06-27_3ansara_6eme.pdf)الاحد السادس من زمن العنصرة 27 حزيران 2010الاحد السادس من زمن العنصرة 27 حزيران 2010125 Kb
 
 

بحث

السنكسار