|
بقلم الخوري ميشال صقر مقدمة
كل الأديان على مرّ العصور كان فيها كهنة يرفعون الصلاة والدعاء من أجل شعوبهم. لكنّ الكتاب المقدس، كلمة الله الحيّة لكل جيل، يخبرنا أن الله اختار له شعبًا كهنوتيًا وامّة مقدسة، وانّه اختار أيضًا بطريقة مميزة بعض الأشخاص (في العهد الجديد) او العائلات (في العهد القديم) ليمارسوا طقوسًا دينية لا بد منها مع التقيّد بشريعة المحبة والرحمة. في هذا المقال، نعرض تاريخيًا تطوّر فكرة الكهنوت في الكتاب المقدس، مشدّدين على المراحل الأساسية التي مرّ بها هذا الدور الديني والاجتماعي الرفيع، أملين ان تكون السنة اليوبيلية الكهنوتية التي نحتفل بها بين حزيران 2009 وحزيران 2010، دافعًا إلى عودة اكتشاف سمو هذه الدعوة ومفاعيلها على حياة الناس، بدءًا بحياة الكاهن نفسه.
1- كهنوت ملكيصادق
الكاهن الأول الذي يرد دوره في الكتاب المقدس بطريقة سريعة وغامضة هو ملكيصادق، وكان ذا مهمة مزدوجة: ملك وكاهن (تك 14/17-20). لا يُذكر له نسبٌ ولا ذرّية وهو بذلك صورة للمسيح الملك والكاهن حسب الرسالة إلى العبرانيين. كان ملك شليم، وتأثّرًا بمزمور 76/3 طابق آباء الكنيسة بين شليم وأورشليم. وكان أيضًا كاهنًا لله العلي إذ يظهر دوره بإخراج "الخبز والخمر"، ملاقاة لأبرام العائد من حرب منتصرًا على أعدائه، "مباركًا" إّياه ومتسلّمًا منه "العشر". رأى الآباء في "الخبز والخمر" صورة لسر القربان؛ أما "البركة" و"العشر" فهما امتياز كهنوتي.
2- كهنوت اللاويين
إذا كان الملوك في الشعوب المتمدّنة المحيطة باسرائيل، كمصر وما بين النهرين، يتولّون أيضًا وظيفة الكهنوت ومساعَدين بطغمة كهنوتية خاضعة لنظام رئاسي ووراثي في أغلب الأحيان، فسيكون الامر مختلفًا بعض الشيء بالنسبة لشعب البدو، غير المنظّم، الذي كان خارجًا من مصر، هاربًا من العبودية. فموسى، الذي هو من سبط لاوي، اختاره الله قائدًا لشعبه عبر الصحراء. فمنذ عهد موسى، بدأ سبط لاوي بتولّي الوظائف الطقسية إذ ان الله اختاره أيضًا وباركه (تث 33/8-11) وكرّسه لهذه الخدمة. وكان لموسى أخٌ اسمه هارون، اختاره الله ليكون لسان حال موسى (خر 4/10-17) وكاهنًا يقدّم الذبائح باسم الشعب. وقد أمر الله موسى أن يلبس الكهنة ثيابًا خاصة: "لبني هارون تصنع أقمصة وزنانير، وتصنع لهم قلانس مجد وبهاء... هذه هي الثياب التي يرتدونها: صدرة وأفود وجبّة وقميص مطرّز وعمامة وزنّار... تصنع لهم سراويلات من الكتّان لتغطّي عري أبدانهم من الحقوين إلى الفخذين" (خر 28/2-5 و42). لا بد من الإشارة أن أشرك موسى معه في الحكم والقضاء مجلس شيوخ مؤلف من 70 شيخًا يمثّلون جميع الفئات والعائلات وهم رؤوس العائلات والأسباط، يمارسون أعمالاً دينية ومدنية ولهم حقوق وانعامات خاصة. فكلمة شيخ في اللغة العبرية هي "زاقِن" وقد تُرجمت إلى اليونانية بلفظة "presbuteros" التي أعطت في اللغة الفرنسة لفظتي "prêtre" و "ancien". وهنا علينا الانتباه ان في العهد القديم ليس كل شيخ كاهنًا، أما في العهد الجديد فسنرى أنّ كلمة "presbuteros" فستعني، ممّا تعنيه، الشيخ الكاهن المساعد للرسول. فلكلمة كاهن مرادفها في العبري "كُاهِن" واليوناني "iereus"، لكن العهد الجديد سيفضّل إطلاق على معاوني الرسل لفظة "presbuteros". في الصحراء كان الكهنة حملة تابوت العهد؛ وعندما وصلوا إلى نهر الأردن ليعبروه مع يشوع أراد الله أم تكون أخامص أقدامهم موقفةً لمياه نهر الأردن (يش 3/13). وهكذا، عندما دخل الشعب أرض الميعاد مع يشوع، وُزّعت الحصص بالقرعة على احد عشر سبطًا، أما لاوي فلم يُعطَ ميراثًا لأن إله اسرائيل وذبائحه هي كانت ميراثه (يش 13/14و33).
3- كهنوت صادوق
بعد أن تحوّل المُلك عن أدونيّا الابن البكر لداود وصار لسليمان، فلكي يمتّن هذا الأخير سلطته، أمر بقتل أعداء المملكة لتصرّفاتهم المشينة في عهد أبيه. لكن بالنسبة لأبياتار الكاهن، أمر فقط بعزله قائلاً له: "إنصرف إلى حقولك لأنك رجل يستوجب الموت. لكني لستُ أقتلك لأنك حملتَ تابوت الرب أمام داود أبي" (1مل 2/26). وبدل أبياتار أقام صادوق كرئيس للكهنة (1مل 2/35). فقد يكون صادوق اساس عقيدة الصدوقيين المعروفين بأيام المسيح أنهم متمسكون بتوراة موسى ورافضون الإيمان باليوم الآخر، خلود النفس، بعث الأجساد والثواب والعقاب. المعلوم أنّ سليمان بنى هيكلاً للرب في أورشليم وقصرًا واضعًا فيه خشبًا من ارز لبنان. فالكهنة هم الذين حملوا تابوت العهد في حفل إدخاله إلى الهيكل (1مل 2/3). وهكذا بدأت المفارقة بين عمل الكهنة، مقدّمي الذبائح للرب في الهيكل، وبين عمل اللاويين الذين أصبحوا حرّاس الهيكل (1أخ 9/18). وتنوّعت فئات اللاويين بتنوّع وظائف الهيكل: فكان هناك المغنون والعازفون والبوّابون وكلهم لاويّون غير كهنة. وقد نرى بذلك استباقًا لوظائف الشدياق في طقوسنا اليوم. ازدهار الحياة الليتورجية الدينية في أيام المملكة لن يكون سالمًا من مغالطات عدّة تنتج عن ربط سلطة الكهنوت بالملك، السلطة الدينية بالسلطة المدنية. لذلك سيكون للأنبياء دورٌ أساسي في إعادة الإيمان إلى صفائه.
4- تحذير الأنبياء للكهنة
بالرغم من تواجد أنبياء كثر ورد ذكرهم في اسفار صموئيل والملوك، فإنّ عاموس النبي (القرن الثامن ق.م.) هو الأول تاريخيًا من سلالة الأنبياء الذين جرت العادة في تسميتهم "الأنبياء الكتّاب" لأن صدى تدخّلاتهم حُفظ في كتب تحمل اسمهم. فمملكة الشمال حيث تنبّأ كانت تتمتّع في المجال السياسي فترة من الراحة والاستقرار. لكنّ خطرًا جسيمًا كان يخيّم في الواقع على اسرائيل إذ انّ جيوش آشور كانت تقترب من فلسطين اقترابًا مطّردًا. وفي المجال الديني، خاصة في بيت إيل أكبر معابد مملكة الشمال الذي شُيّد في زمن الانشقاق منافسة لهيكل أورشليم، أخذت العبادة تظهر في حفلات رائعة كان الشعب يفتخر بها لكن عاموس كان يستنكرها استنكارًا شديدًا إذ حذّرهم يومًا قائلاً: "لقد أبغضتُ أعيادكم، ولم تطب لي احتفالاتكم، إذا أصعدتم لي محرقات لا أرتضي بها.. أبعدوا عنّي أناشيدكم فلا أسمع عزف عيدانكم" (عا 5/21-23). اما في مرحلة السبي الكبير (القرن السادس ق.م.) برز نشاط حزقيال الكاهن في بابل الذي حافظ إلى آخر حياته على عقلية الكاهن الخبير في العبادة والليتورجيات. فحسب رأيه، إن سبب خروج مجد الله من الهيكل مبتعدًا عن اورشليم كامنٌ في خطيئة عبادة الاوثان التي هي خيانة وزنى وبغاء. ووبّخ حزقيال رعاة الشعب، أي رؤساءه الدينيين والمدنيين، على ذنوبهم قائلاً لهم: "ويل لرعاة اسرائيل الذين يرعون أنفسهم" (حز 34/2). وهكذا هدد باسترداد الرب للقطيع الذي يسيئون معاملته فيكون هو نفسه راعي شعبه (حز 34/11). وبعد السبي وإعادة بناء الهيكل عاد فتور العزائم يُضعف الإيمان. فعادوا يقعون في الأخطاء القديمة من إهمال في الخدمات الطقسية وقبول للرشوة ومحاباة للوجوه ترافقها انواع كثيرة من المخالفات. كان رد فعل ملاخي قويًا جدًا، فوضع كل واحد، كاهنًا كان ام علمانيًا، امام مسؤولياته في علاقاته بالرب والقريب. ومن أهم تحذيراته: "إليكم هذه الوصية أيها الكهنة: إن لم تسمعوا ولم تجعلوا في قلوبكم أن تؤدوا مجدًا لاسمي، أرسل عليكم اللعنة وألعن بركاتكم... لأن شفتي الكاهن تحفظان المعرفة ومن فمه يطلبون التعليم، إذ هو رسول رب القوّات" (ملا 2/1-7).
5- كهنوت زكريا
إنتقالاً للعهد الجديد لا بد من التوقّف على بوّابة المرور بين العهدين للتحدث باقتضاب عن الخدمة الكهنوتية لزكريا، أول شخصية في انجيل لوقا، ومرورًا بيوحنا المعمدان نصل إلى المسيح. يشرح لنا لوقا أن زكريا الكاهن كان من فرقة أبيّا (لو 1/5). ففرقة أبيّا هي ثامنة الفرق الأربع والعشرين التي كانت تتناوب اسبوعيًّا على خدمة هيكل أورشليم (1اخ 24/1-19). ويكمل الإنجيلي قائلاً ان أصابت القرعة زكريا، عملاً بالعرف الكهنوتي، فدخل هيكل الله ليقوم بالتبخير (لو 1/9). فرتبة التبخيرهذه كانت يومية مرتين: قبل ذبيحة الصباح وبعد ذبيحة المساء، تُجدد فيها النار ويُحرق البخور أمام الحجاب (خر 30/6-8). وكان شرفًا لكاهن أن يقوم بتلك الرتبة نظرًا لكثرة عدد الكهنة. لكن مشيئة الله حفظت البشارة بابنه لا لكاهن بل لفتاة غير معروفة، ولا في المدينة العظمى اورشليم إنما في مدينة متواضعة من الجليل هي الناصرة، وبذلك يبيّن لنا الله تفضيله للمساكين إذ من خلالهم يمر تاريخ الخلاص. لكن يوحنا المعمدان، ابن الكاهن زكريا، كان دوره مهمًا إذ أعدّ طريق المخلّص. تعمّد يسوع على يد يوحنا المعمدان ابن الكاهن في نهر الاردن. والتقليد السرياني القديم رأى أن يسوع المسيح هو ملك لأنه من سلالة داود، وهو نبي لأن أقواله وتعاليمه ضاهت وفاقت بكثير تعاليم الأنبياء وقيل أيضًا ان كهنوته استمدّه من خلال وضع يد يوحنا المعمدان على رأسه وذلك واضح في رتبة السيامة الكهنوتية في الطقس الماروني إذ يُرتّل: "فلننشد طيب الصلاه... حلّ الله في سينا خصّ موسى بالسلطان، موسى أعطى هارونَ جريًا حتى المعمدان؛ يوحنا أعطى الفادي، للرسل الفادي أعطاه، كهنوتًا للآباءِ يبقى في بيعة الله". ولكن حسب تعاليم الكنيسة، لا يمكننا القول ان يوحنا المعمدان أعطى الكهنوت للمسيح إذ ان كهنوته فريد ومميّز، فكل ما تقدّم في العهد القديم لم يكن إلا تصويرات سابقة وجدت اكتمالها في المسيح (تعليم الكنيسة الكاثوليكية، 1544).
6- كهنوت المسيح
نرى في الأناجيل الإزائية كيف أن المسيح انتقد الوظيفة الكهنوتية التي تبتعد عن المحبة والرحمة. فإنجيل متى يضع على شفاه يسوع مرتين كلام هوشع النبي: "أريد رحمة لا ذبيحة" (متى 9/13 و12/7) وبذلك يبيّن لنا أن الدور الكهنوتي لا يمكن أن يقتصر على اتمام فرائض وذبائح ليتورجية إنما للرحمة المكانة الفضلى. ويشير يسوع إلى ذلك بوضوح عبر مثل السامري الصالح (لو 10/25-37). فكان محرّمًا على اليهودي عامة (عد 19/11) وعلى الكاهن واللاوي خاصة (أح 21/1) ان يمسوا جثة ميت وإلا اضطروا إلى التطهير وإلى الابتعاد 7 أيام عن خدمة الهيكل. فالقريب، حسب يسوع، لم يكن أحد من هذين الاثنين إنما السامري الصالح المعروف بعداوته لليهودي إذ عامله بالرحمة. غير أنه في انجيل يوحنا يظهر لنا المسيح كأنه الكاهن والذبيحة في آنٍ معًا. فهو عظيم أحبار إذ توصف ثيابه عند اقتسامها بعد الصلب "بالقميص غير المخيط المنسوج كلّه من أعلاه إلى اسفله" (يو 19/23) وهو بذلك كالقميص الذي كان يلبسه عظيم الكهنة عند اليهود وهذه اشارة ان يسوع، بالنسبة ليوحنا، هو الكاهن الأعظم. وفقط في يوحنا أيضًا نجد يسوع كحمل الله في مرجعين فريدين: الأول عندما رأى يوحنا المعمدان آتيًا نحوه (يو 1/29) والثاني عندما جاؤوا إلى يسوع ووجدوه قد مات فلم يكسروا ساقيه كالحمل الفصحي الذي لا يُكسر له عظم (يو 19/36). وبذلك أرانا يوحنا أن يسوع الحمل الفصحي هو نفسه كان كاهن ذبيحته ونجد لذلك صدًى في القداس الماروني عند رفعة الكأس: "يا حملاً صار لنفسه حبرًا مقرّبًا". وفي يوحنا أيضًا، قبيل آلام المسيح، صلّى يسوع (يو 17) صلاة كهنوتيّة بامتياز إذ جعل من نفسه وسيطًا بين تلاميذه والآب. أما الكتاب الأساسي الذي يتحدث عن كهنوت المسيح في العهد الجديد فهو الرسالة إلى العبرانيين. وباختصار يرى كاتب الرسالة في كهنوت المسيح علاقة مثلثة بالعهد القديم: 1ً) يراه مواصلاً اذ يظهر قصد الله الثابت الأمين في تاريخ الخلاص (عب 5/1 و 7 ؛ 9/13-14). 2ً) ناقضًا وملغيًا طقوس الكهنوت القديم إذ جاءت مكانها ذبيحة جديدة أفضل هي ذبيحة نفسه (عب 9/11-12 و 24-26). 3ً) أشرك المؤمنين في هذا الكهنوت مصيّرًا اياهم مقدّسين بالقربان الذي قُرّب وبالغين الكمال والمجد والخلاص (عب10/10 و 14). 7- الكهنوت في أيام الرسل
المعلوم حسب التقليد الكنسي أن الأساقفة هم خلفاء الرسل. فالمسيح أقام 12 رسولاً، وهذا العدد 12 له قيمة معنوية ليس فقط كبدلٍ من أسباط اسرائيل الإثني عشر إنما للدلالة على المجمعية السينودسية (collégialité) التي يتحلّى بها الأساقفة مجتمعين مع رأسهم بطرس. أما في العهد الجديد فهناك ثلاث كلمات غير واضحة المعالم في بداية الكنيسة كما هي الحال اليوم في تراتبيتها الهرمية. فلفظة "apostolos" التي هي تخص الإثني عشر بالتحديد، نرى بولس الرسول يلقّب ذاته رسولاً في بداية غالبية رسائله. ولفظة "episcopos" التي من المفترض أن تعني فقط المسؤول الأول في الكنيسة نجدها في خطاب بولس الوداعي لشيوخ أفسس، عائدًا من رحلته الثالثة إلى أورشليم حيث سيُعتقل، تعني هؤلاء الشيوخ أنفسهم، فكاتب أعمال الرسل يقول ان بولس استدعى في ميليطش شيوخ "presbuteros" كنيسة أفسس (رسل 20/17) وقال لهم: "تنبّهوا لأنفسكم ولجميع القطيع الذي جعلكم الروح القدس مسؤولين "episcopos" عنه لتسهروا على كنيسة الله" (رسل 20/28). وفي رسالته طلب بولس الرسول إلى تلميذه طيطس، الذي يصفه كمعاون له – لا أكثر - (2قور 8/23)، أن يقيم شيوخًا "presbuteros" في كل بلدة في جزيرة كريت (طي 1/5). لكن من الواضح والمؤكد أن هناك فرقًا بين الشماس "diakonos" وبقية الخدم الكهنوتية. فمن مهمات الشمامسة خدمة الموائد والأرامل (رسل 6/1-2)، اما من مهمات الرسل والشيوخ، التبشير بالكلمة (رسل 6/2) الصلاة، العماد، الافخارستيا غفران الخطايا والمسح بالزيت (يع 5/14). يبدو أنه في أيام الرسل كان مسموحًا للأساقفة أن يكونوا متزوّجين والتقليد الكنسي ألغى هذا العرف. ومجرّد قراءة سريعة لصفات الاسقف (1طيم 3/1-7؛ طي 1/7-9)، صفات الكاهن (طي 1/5-6) وصفات الشماس (1طيم 3/8-13)، نرانا في بداية تراتبية هرمية تنظّمها الكنيسة في ما بعد وتتوارثها على مدار الأجيال.
خلاصة
يضعنا الكتاب المقدس في تطوّر ملحوظ بالنسبة للكهنوت: فمن الكهنوت الوراثي إلى كهنوت المسيح الجديد والفريد إلى الكهنوت العام والكهنوت الخدمي. لكن مع القديس توما الأكويني نقول: "المسيح هو الكاهن الحقيقي الأوحد، وما الآخرون سوى خدّامه" . تناقل الخدمة الكهنوتية كان في العهد القديم من خلال سبط لاوي وبالتحديد من خلال سبط هارون أما في العهد الجديد فأصبح عبر "وضع اليد" (1طيم 4/14 و 2طيم 1/6) مع العلم أن الاختيار هو دائمًا للرب وليس من صاحب الدعوة: "لم تختاروني أنتم بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا فتثمروا ويبقى ثمركم" (يو 15/16). المهمة المثلّثة المطلوبة اليوم من الكهنة ممكن وجود جذورها في الكتاب المقدس. فالتعليم هو صدى لكلام ملاخي النبي: "من فم الكاهن تُتطلب المعرفة" (ملا 2/7). والتقديس كان في العهد القديم يصير بواسطة الذبائح التي تغفر الخطايا أما في العهد الجديد فقد أوكل يسوع ينابيع القداسة ومجاري النعمة إلى الرسل، وقد نظّمتها الكنيسة في ما بعد في سبعة أسرار، يجد كل واحد منها مصدره في حياة وتعليم المسيح والرسل. أما التدبير وهو الصفة الملوكية للكهنوت فنجدها في العهد القديم في شخصية ملكيصادق الملك والكاهن ونراها أيضًا في كل من موسى وهارون وصادوق (الملازم للملك سليمان) ونراها مع المسيح تأخذ منحة النظام المرتكز على المحبة والرحمة. إن المسيح، بذبيحة الصليب، هو الكاهن"الوسيط الأوحد بين الله والناس" (1طيم 2/5). بكهنوته يشترك جميع المؤمنين إذ جُعلوا "مملكة من الكهنة لإلهه وأبيه" (رؤ 1/6). عسى أن يجدنا يوم مجيئه وكلاء أمينين عاقلين، نعطي الطعام في حينه (لو 12/42)، ونسعى جادّين في طريق القداسة.
المراجع 1. Collectif, La tradition sacerdotale. Etudes sur le sacerdoce, BFCThL 7, Lyon 1959 2. COPPENS, J., ed., Sacerdoce et célibat. Etudes historiques et théologiques, BEThL 28, Louvain 1971. 3. JEAN CHRYSOSTOME, Sur le sacerdoce, SC 272, Paris 1980. 4. LEON-DUFOUR, X., ed., Vocabulaire de Théologie Biblique, Paris 1962, 19712. - - - - - - - - - - - - - - - - - * هذا المقال أُعطي كمحاضرة في الاجتماع الشهري لكهنة أبرشية جبيل المارونية بمناسبة السنة الكهنوتية. الكاتب هو من كهنة جبيل حائز على شهادة الدكتوراه في الكتاب المقدس من جامعة الغريغوريانا في روما. درّس العهد الجديد في الجامعات الكاثوليكية في سان باولو، البرازيل. وحاليًا يدرّس في لبنان في جامعة القديس يوسف، الحكمة، الأنطونية والبولسية. له مؤلفات عدّة حول القراءة "البراغماتيكية" للكتاب المقدس.
|